مشكلة "الخليل" تميط اللثام عن الطامة الأكبر؛ "غياب مؤسسة الزعامة" داخل الحركة!!


بعيدا عن أية رغبة في اصدار حكم، أيا كان، على شرعية أو لا شرعية التظاهر المطالب بالكشف عن مصير الأستاذ الخليل احمد المختفي منذ سنة 2009، لكن المثل الصحراوي التقليدي، "تعطي الشريعة اللي اتهاب الركبة (بثلاث نقاط على الكاف)" قد يلخص بدقة التنازع الحاصل بخصوص شرعية التظاهر بين الشرعية القانونية واللاشرعية السياسية. فمن حيث المبدأ، الرجل كان قد اختفى في ظروف غامضة، وهو معتقل بالفعل، وفقا لإفادة أحد أبنائه الذي تمكن من زيارته في السجن، والاغلب أنه لم يحظ بمحاكمة علنية حول الجرم الذي يكون قد اقترف بحق بلد، ليس كأي بلد، بالنسبة للشعب الصحراوي. قانونيا من حقه في محاكمة، وخاصة تمكين أبنائه من زيارته، قد تكون حقوقا أصلية، مهما كانت خطورة التهم الموجهة اليه، وهذا هو الجانب المتعلق "بالشريعة ـ القانون" في المثل الشعبي. لكن الجانب الآخر المتعلق "بالركبة" (بثلاث نقاط على الكاف)، هو المرتبط بمدى الشرعية السياسية للاحتجاج الحالي وتأثيره على المصلحة العامة، خاصة حين يتعلق الامر ببلد كالجزائر، الحليف والأخ والمجير والنصير. وتجنبا لكل لبس، وجب التأكيد على أن الغالبية العظمى ممن يتظاهرون حول الموضوع، انما يفعلون ذلك انطلاقا من اعتبارات عديدة ليس من بينها على الاطلاق خدمة اجندة معادية للقضية عن قصد، وانما "أتحمجي" يتغذي من الغموض الذي يلف القضية أكثر من أي شيئ آخر. تلك هي الغالبية، لكن ماذا عن القلة القليلة المحتملة؟ وماذا لو كان مقبض السكين في يد جهة غرب الحزام؟ لا أحد يملك دليلا، ولا أحد يمتلك حق اتهام أحد دون بينة، لكن التوقيت وارتباط الموضوع بالحليف يجعل من الاعتقاد بوجود العدو بين صفوف المتظاهرين، ماديا أو معنويا، أمرا أكثر من وارد.
فالسؤال الأول الذي يتبادر الى الذهن: لماذا الآن تحديدا، وضمن أي سياق؟ فالمعروف أن المغرب، وبعيدا عن أي خطاب دعائي، يوجد في ورطة، أو على الأقل يمر بظرف صعب فيما يتعلق بمستقبل احتلاله للصحراء الغربية على ضوء الاهتمام الأمريكي غير المسبوق بالدفع لتسريع عملية التسوية، وعلى ضوء وزن ومنهجية ونزاهة الوسيط الاممي الجديد هورست كوهلر. المغرب جُر جرأ الى طاولة المفاوضات ويخسر شيئا فشيئا جزءا من تحالفاته التقليدية المدرة للمال، ومطالب، كما أكد على ذلك كوهلر في احاطته الأخيرة لمجلس الأمن الدولي، باتخاذ إجراءات حسن نية أهمها وأكثرها ايلاما مطلب إطلاق سراح المعتقلين السياسيين الصحراويين. اخراج موضوع الخليل أحمد من تحت الرماد، الآن، والنفخ فيه يبدو منذ الوهلة الأولى مسعى لمحاولة تقديمه كمعتقل سياسي في مقابل معتقلي أكديم ايزيك، مما يجعله ورقة ثمينة على طاولة التفاوض حول إجراءات الثقة. لكن الأهم من الظرف التفاوضي، هو ارتباط القضية بالجزائر، التي فشل المغرب سياسيا في اقحامها كطرف وهو يسعى حقوقيا لاحراجها والتشويش على موقفها المبدئي الذي ظل عصيا على المساومة طيلة العقود الماضية.
ولعل ما ينبغي أن يعيه المتظاهرون وتستوعبه النخب الصحراوية، في السلطة أو خارجها، هو أن فك الارتباط ما بين الشعب الصحراوي وحليفه التاريخي الجزائر أصبحا هدفا محوريا بالنسبة للمخططات العدائية المغربية. فالاحتلال يسعى الى الالتفاف على عنصري التأمين الاستراتيجيين على المشروع الوطني الصحراوي والمتمثلين في الحق وفق القانون الدولي من جهة والتحالف مع القوة الإقليمية الأكبر في المنطقة أي الجزائر، من جهة أخرى. ففيما يتعلق بالحق وفق القانون الدولي، يجند جيوشا من اللوبيات ومراكز البحث من أجل دعم التأويلات التي تجعل من الحكم الذاتي نوعا من اشكال ممارسة تقري المصير والصيغة الوحيدة التي تستجيب لمقتضيات السياسة الواقعية. أما فيما يتعلق بفك الارتباط، او التأثير على التحالف مع الجزائر، فالآليات الاستخباراتية يعرفها الجميع وهدفها هو الصيد في كل المياه العكرة لاحداث الانطباع لدى الحليف بأن الشعب الصحراوي أصبحا يشكل عبءا بل وربما خطرا على الأمن القومي الجزائري. في هذا الإطار، تأتي مساعي تجنيد إرهابيين، ادخال السلاح، توريط الصحراويين في تهريب المخدرات، ممارسة أنشطة تجارية غير نظامية كموضوع ادخال السيارات، وتأتي الآن اثارة قضية الخليل بعد حوالي عشر سنوات على اجتماع الرئيس الراحل محمد عبد العزيز بذويه وانهاء المشكل.
لقد تفطن الرئيس الراحل، بحسه كزعيم قائد، الى الحرج الذي تشعر به الدولة الجزائرية إزاء تقديم اطار صحراوي سامي الى المحاكمة بتهمة التآمر على أمنها القومي. الجزائر التي استضافت ودعمت ودفعت ثمنا باهظا في نصرة الشعب الصحراوي انطلاقا من مبادئها وقيمها التحررية لا تجد غضاضة في تقديم وزرائها وجنرالاتها للمحاكمات العلنية، لكنها تشعر بخجل كبير أمام رأيها العام الوطني والصحراوي وامام الرأي العام الدولي في تقديم مسؤول صحراوي للمحاكمة بتهمة التآمر عليها. موقف يحسب ويشرف العلاقة بين الشعبين، وهو ما قاد الرئيس الراحل الى التدخل مباشرة، دون وسيط، لتسوية الموضوع وتجنيب الحركة والحليف موقفا غير مسبوق طيلة العقود الأربعة الماضية.
اليوم، وبالرغم من تلقي الجميع، منذ أكثر أسبوعين، إشارات واضحة أن الموضوع قد يخرج عن السيطرة وأنه بالغ الخطورة بالنظر للظرفية وعلاقته بالحليف، ما زالت مؤسسة الزعامة ممثلة بشخص الأمين العام غائبة عن المشهد، وتسعى الى استنساخ "الوصفة الجاهزة" منذ يوليوز 2016 في الهروب من المواجهة والبحث عمن يقوم بالمهمة بدلا عنها، كأسلوب في الحكم. في قضايا أخرى، لا يتسع المجال لسردها الآن، تعاني الحركة من حالة الفراغ الموجودة في تلك المؤسسة التي تعد قاطرة حركة التحرير وصمام أمانها، معاناة مؤسفة تجعل، شيئا فشيئا، من التباطؤ والتثاقل واللامبالاة عيوبا بنيوية في الحركة. تلك المعاناة لم تصل، قبل مشكلة الخليل أحمد، الى أن تقود الى الإحساس بالسكين وقد بدأ في نهش العضم. وحتى لا نستفيق، وقد خرجت الأمور عن السيطرة، فان "الزعيم" مطالب بأن يضع "وصفته الجاهزة" جانبا، الآن على الأقل، وأن يواجه الموضوع شخصيا؛ فتصور إمكانية مواصلة السباحة دون تبلل الملابس لم يعد ممكنا، بل يكون قد أصبح قاتلا!!
بقلم: م. س. عالي.