أظن أن مكانة الصحراويين محفوظة رغم كل المطبات التي يمر بها النظام الموريتاني منذ توقيعه لإتفاقية السلام مع جبهة البوليساريو في 5 غشت 1979 ، والعكس صحيح لدى النظام الصحراوي ، رغم مختلف الظروف التي مرت وتمر بها القضية الصحراوية منذ أزيد من أربعين عاما خلت .
من هذا المنطلق لا شئ يمكن أن يؤثر على العلاقات الوطيدة بين الشعبين الشقيقين ، خاصة أن ما يجمعهما هو أكثر بكثير مما يفرقهما ، أو يجعل الشكوك تحوم حول الروابط المصيرية التي توحدهما .
فبخصوص ما جاء في الفقرة المقصودة من الخطاب الانتخابي الذي أدلى به مرشح الرئاسة ولد الغزواني في كيهيدي ، حول ما ينبغي أن يكون عليه التجنيس في موريتانيا ، أظنه يأت على رأي المثل الحساني القائل " بط الشاربة أتهاب العطشانة " بمعنى أن نية ولد الغزواني لاتضع الصحراويين على نفس القصد والمعيار ، الذي تنظر به للشعوب المجاورة لموريتانيا ، خاصة إذا علمنا أنه المرشح الأقرب إلي الرئيس الحالي ولد عبد العزيز ، وهنا لا يغيب عن أذهاننا كدليل في هذا الإطار ، الإحصاء الذي أستفاد منه الكثير من الصحراويين سنة 2013 في بئر أم أكرين وفي ازويرات ونواذيبو ، في عهد الرئيس محمد ولد عبد العزيز ، وهذا ليس سرا ، أو مسألة تستدعي التحفظ ، كون الروابط بين المجتمع الصحراوي والمجتمع الموريتاني عميقة وقديمة قدم تواجد بني حسان في كل من بلاد شنقيط وبلاد الساقية الحمراء ووادي الذهب .
من جهة أخرى نعرف ونقدر مدعاة هذا التخوف من عدم التدقيق في منح الجنسية الموريتانية لغير الموريتانيين ، كونه يعود الى الفساد الاداري والسياسي ، الذي تنتشر فيه الرشوة والتزوير في الوثائق ، وتتعدد فيه التوجهات السياسية المغلوطة ، التي من شأنها الإيقاع بموريتانيا في بحر من التجاذبات والانتماءات المختلفة ، وهو ما قد يشكل خطرا على الأمن والاستقرار العام وعلى إستتباب المسار الديمقراطي النبيل في البلاد ، ولقد عانت موريتانيا مع السينغال سنة 1989 شيئا من هذا القبيل ، وإمتد إلى غاية أزمة الصيادين السنغاليين ، الذين أُخرجوا من موريتانيا في فبراير 2017، وأدى إلى احتضان السنغال للمعارض الموريتاني بيرام الداه اعبيد ، رئيس حركة إيرا ، ما حتم على السلطات الموريتانية البحث عن مخرج من تلك الأزمة ، والتكفل في الأخير بتجنيس السينغاليين الموجودون على أرضها ، وذلك لتلافي الخلافات التي كانت على اشدها بين البلدين ، أما بشأن مالي التي تربطها بموريتانيا حدود جغرافية هي الأوسع من بين جيرانها ، فلاشك أن الهجرة غير الشرعية للماليين تجاه بلاد شنقيط تشكل عبأ كبيرا على السلطة الموريتانية ، لأن لها تبعاتها السياسية والإقتصادية وإنعكاساتها السلبية على الساحة بهذا البلد ، الذي مازال يتلمس طريقه نحو التنمية والرقي والإزدهار .
أما بخصوص كل من المغرب والجزائر ، فإذا إستثنينا الصحراويين الموجودون في هذين البلدين ، فإن من يطالب بالجنسية الموريتانية منهم ليس بالكثير ، وليس بالقدر الذي يزعج السلطة الموريتانية الحالية والمستقبلية ، بالرغم من أن النظام المغربي يحاول في كل مرة إيجاد تكتل أو صنع لوبي له ، لإبتزاز موريتانيا والتأثير على مصدر القرار بها ، وهذا قد يكون من أكبر الهواجس التي جعلت ولد الغزواني يركز على الصرامة في منح الجنسية الموريتانية ، وهو المرشح الأوفر حظا للفوز بالإنتخابات الرئاسبة المقبلة في موريتانيا ، أما عن الجزائر ، فأظن أن الفائدة السياسية والاقتصادية التي تجنيها الدولة الموريتانية من الجزائر ، ستساهم دون شك في تعزيز مكانتها جهويا ودوليا ، وسترفع من مستوى قدراتها التنموية ، مثلما قد تسهل بشكل ملحوظ للجزائريين وخاصة أصحاب رؤوس الاموال منهم ، الحصول على الجنسية الموريتانية دون تعقيدات ، وهو الشئ الذي قد تساهم في بلورته الحدود المشتركة والمفتوحة بين البلدين ، عكس ماهو واقع مع الإحتلال المغربي ، الذي لا تربطه حدود مع موريتانيا ، وكل مافي الامر أنه يستغل معبرا غير قانوني على أرض لا يمتلك السيادة عليها ، وفوق كل ذلك لا يدخل من هذا المعبر إلى موريتانيا غير الخراب والدمار المتمثل في "المخدرات وشبكات الجريمة المنظمة والإرهاب " وهذا طبعا لاينسجم مع سياسة الإصلاح وتقوية مؤسسات الدولة الموريتانية ، التي توخاها الرئيس محمد ولد عبد العزيز منذ توليه السلطة في موريتانيا ، وكاد أن يدفع حياته ثمنا لها ، وهي نفس السياسة التي يسعى ولد الغزواني الى التمكين لها مهما كانت العقبات والتجاذبات على الساحة .
اذا وفي ظل هذا المخاض العسير ، يبقى الصحراويون دائما هم الأوفر حظا في الحصول على الجنسية الموريتانية دون منازع ، وهذا بالنظر الى عدة إعتبارات منها التداخل الإجتماعي والتقارب التاريخي والثقافي ، والإنسجام في الأهداف والتطلعات والمصير المشترك ، رغم ماتبديه السلطة في موريتانيا من حياد إيجابي إتجاه أطراف النزاع الكائن بين الجمهورية الصحراوية ، والمملكة المغربية .
وعلى أي تبقى هناك قضايا يتم التطرق لها دائما في الحملات الإنتخابية ، ولكنها في عمق السياسة تظل قابلة للتحفظ وللمرونة والتكييف مع كل واقع سياسي جديد ، واقع غالبا ما تفضل فيه الدولة - أي دولة - مصلحتها العامة على أية إعتبارات أخرى وهذا من حقها ، اذا كانت فعلا تمتلك زمام قرارها بيدها وترفض أي تدخل أجنبي في شؤونها .
بقلم : محمد حسنة الطالب .
